محمد بن جرير الطبري
57
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول : ويقتر على من يشاء منهم ، فيضيق عليه إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً يقول : إن ربك ذو خبرة بعباده ، ومن الذي تصلحه السعة في الرزق وتفسده ؛ ومن الذي يصلحه الإقتار والضيق ويهلكه . بَصِيراً يقول : هو ذو بصر بتدبيرهم وسياستهم ، يقول : فانته يا محمد إلى أمرنا فيما أمرناك ونهيناك من بسط يدك فيما تبسطها فيه ، وفيمن تبسطها له ، ومن كفها عمن تكفها عنه ، وتكفها فيه ، فنحن أعلم بمصالح العباد منك ، ومن جميع الخلق وأبصر بتدبيرهم ، كالذي : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، ثم أخبرنا تبارك وتعالى كيف يصنع ، فقال : إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ قال : يقدر : يقل ، وكل شيء في القرآن يقدر كذلك ؛ ثم أخبر عباده أنه لا يرزؤه ولا يعوده أن لو بسط عليهم ، ولكن نظرا لهم منه ، فقال : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ قال : والعرب إذا كان الخصب وبسط عليهم أشروا ، وقتل بعضهم بعضا ، وجاء الفساد ، فإذا كان السنة شغلوا عن ذلك . القول في تأويل قوله تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ يقول تعالى ذكره : وَقَضى رَبُّكَ يا محمد أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ فموضع تقتلوا نصب عطفا على ألا تعبدوا . ويعني بقوله : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ خوف إقتار وفقر . وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى وذكرنا الرواية فيه . إنما قال جل ثناؤه ذلك للعرب ، لأنهم كانوا يقتلون الإناث قتل الأولاد من أولادهم خوف العيلة على أنفسهم بالإنفاق عليهن ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أي خشية الفاقة ، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفاقة ، فوعظهم الله في ذلك ، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله ، فقال : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً قتل الأولاد . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة خَشْيَةَ إِمْلاقٍ قال : كانوا يقتلون البنات قتل الأولاد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ قال : الفاقة والفقر . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله خَشْيَةَ إِمْلاقٍ يقول : الفقر . وأما قوله : إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً فإن القراء اختلفت في قراءته ؛ فقرأته عامة قراء أهل المدينة والعراق إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً بكسر الخاء من الخطأ وسكون الطاء . وإذا قرئ ذلك كذلك ، كان له وجهان من التأويل : أحدهما أن يكون اسما من قول القائل : خطئت فأنا أخطأ ، بمعنى : أذنبت وأثمت . ويحكى عن العرب : خطئت : إذا أذنبت عمدا ، وأخطأت : إذا وقع منك الذنب خطأ على غير عمد منك له . والثاني أن يكون بمعنى خطأ بفتح الخاء والطاء ، ثم كسرت الخاء وسكنت الطاء ، كما قيل : قتب وقتب وحذر وحذر ، ونجس ونجس . والخطء بالكسر اسم ، والخطأ بفتح الخاء والطاء مصدر من قولهم : خطئ الرجل ؛ وقد يكون اسما من قولهم : أخطأ . فأما المصدر منه فالإخطاء . وقد قيل : خطئ ، بمعنى أخطأ ، كما قال : الشاعر : يا لهف هند إذ خطئن كاهلا بمعنى : أخطأن . وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة : " إن قتلهم كان خطأ " بفتح الخاء والطاء مقصورا على توجيهه إلى أنه اسم من قولهم : أخطأ فلان خطأ . وقرأه بعض قراء أهل مكة : " إن قتلهم كان خطاء " بفتح الخاء والطاء ، ومد الخطاء بنحو معنى من قرأه خطأ بفتح الخاء والطاء ، غير أنه يخالفه في مد الحرف . وكان عامة أهل العلم بكلام العرب من أهل الكوفة وبعض البصريين منهم يرون أن الخطء والخطأ بمعنى واحد ، إلا أن بعضهم زعم أن الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء في القراءة أكثر ، وأن الخطأ